مولده
أي محاولة للبحث عن تفاصيل حياة الرسول تصطدم بحائط من الخرافات بناه كُتاب سيرة الرسول في القرن الثامن الميلادي وما بعده. نزلت الرسالة على الرسول وعمره حوالي أربعين عاماً. قبل نزول الرسالة كان محمد رجلاً عادياً من بني هاشم، يعمل في التجارة، مثله مثل رجال كثيرين من قريش في ذلك الوقت. وبالطبع، لم يكن عرب مكة في القرن السادس الميلادي، يعرفون كتابة شهادات الميلاد لأطفالهم، ولم يكن لديهم تقويم متفق عليه. وعندما ابتدأ محمد بتبليغ رسالته، لم يكن احدٌ ممن حوله مهتماً لمعرفة في أي يوم من أيام الأسبوع ولد، ولا في أي عام، وإنما كان همهم محاربة دينه الجديد. وحتى حين مات لم يتفق الناس على أي يوم مات فيه، قال بعضهم انه مات في اليوم الثامن والعشرين من صفر وقال آخرون في اليوم الثالث عشر من ربيع الأول في العام الحادي عشر للهجرة. ومع هذا نجد مؤرخين مثل " ابن كثير" الذي ألف " مختصر السيرة النبوية" في القرن الثامن الميلادي يخبرنا بالتفصيل عن حمل أمه به، ويوم مولده، وكل المعجزات التي ظهرت يوم إن وُلد وحتى يوم إن حملت به أمه.
ونعلم من كتب السيرة كذلك إن النبي ولد مختوناً ومسروراً، أي مقطوع حبل السرة. وولد وبصره شاخص إلى السماء. فلو ولد النبي وحبل سرته مقطوعاً لمات قبل إن يولد لان حبل السره هو الذي يوصل الأوكسجين إلى الطفل في الرحم والى إن يصرخ الطفل صرخته الأولى يكون اعتماده على حبل السرة كلياً، كما يؤكد الطب الحديث، فإذا انقطع حبل السرة قبل إن يولد الطفل، مات ذلك الطفل.
وتقول السيرة النبوية لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار الفرس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاصت بحيرة ساوة1.
ولنسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً. إذا كان الله قد أرسل محمداً لأهل مكة والجزيرة العربية في المكان الأول، كما يذكرنا القرآن في عدة آيات انه انزله قرآناً عربياً، لماذا ارتجس ايوان كسرى في العراق وخمدت نار المجوس في بلاد فارس ولم يحدث شئ في مكة وجوارها، أما كان الأجدر في الليلة التي ولد فيها رسول الله إن يسطع النور الباهر في الكعبة ليقنع أهل مكة إن الله مرسل رسولاً منهم؟
وواضح إن كل هذه خرافات "Mythology" نسجها كُتّاب السيرة النبوية حول النبي بدون تمحيص وبدون أي اعتبار لعقل أي إنسان يقرأ هذه الكتب. فيحدثنا ابن كثير، مثلاً، إن آمنة بنت وهب، أم النبي، قالت لحليمة السعدية التي أرضعته : "حملت به فما حملت حملاً قط اخف منه". ونحن نعلم إن محمداً لم يكن له إخوة ومات أبوه وأمه حبلى به. فكيف تقول أنها ما حملت قط حملاً اخف منه وهي لم تحمل غيره؟ وان كانت تعني حمل أشياء أخرى غير الجنين، فهي لا بد قد حملت عدة أشياء اخف من الجنين الذي يزن في المتوسط ثلاثة كيلوجرامات.
كل ما نستطيع إن نحصل عليه من السيرة النبوية هو إن محمداً ولد في عام الفيل، أي حوالي عام 570 للميلاد وان أبوه مات وهو بعد في بطن أمه، وأرضعته حليمة السعدية، وماتت أمه وعمره خمسة أو ستة سنوات ورباه عمه أبو طالب. وكان يرعى الغنم وهو طفل ثم مارس التجارة لحساب امرأة ثرية اسمها خديجة بنت خويلد، وتزوجها فيما بعد وكان عمره آنذاك خمسة وعشرين عاماًً وهي عمرها أربعون عاماً. وصار محمد مسؤولاً عن تجارة خديجة، يسافر بها إلى الشام من وقت لآخر. وقد أتاح له هذا الزواج التفرغ للتأمل في شؤون الكون واللجوء إلى غار حراء من وقت لآخر
طفولته
أما طفولة محمد فلا نعلم عنها شيئاً لان كتب السيرة لا تذكر منها إلا القليل، رغم زعمهم إن كل آيات النبوة ظهرت عليه عند مولده. ومن البديهي إن يهتم معاصروا محمد بنشأته إذا اهتز ايوان كسرى وسطع نورٌ باهر يوم مولده، واغلبهم قال سيكون له شأن عظيم. ولكن للأسف لا نجد إلا القليل عن طفولته. فنعرف، مثلاً انه عندما كان عمره إحدى عشر عاماً اصطحبه عمه أبو طالب إلى الشام، حيث رأى عالماً فيه حضارة وتهذيب، غير ما رأى في مكة. وان كان صغيراً في تلك الرحلة وربما لم يحتك بديانة التوحيد في الشام، إلا إن الرحلة فتحت عقله وجعلته يتوق إلى رحلات أخرى، قام بها فيما بعد، لا بد انه رأى في اثنائها الرهبان واستمع أليهم2.
وفي اندفاع كُتاب السيرة إلى تمجيد محمد وإلحاق الكرامات به، كتبوا عن طفولته أشياء لا يمكن إن يصدقها أي إنسان. فمثلاً، كتب ابن كثير : كان أبو طالب لا مال له، وكان يحبه (محمد) حباُ ما يحبه ولده وكان يخصه بالطعام، وكان إذا أكل عيال أبي طالب جميعاً أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله شبعوا، وكانوا يفضلون من طعامهم إذا أكل معهم، وان لم يكن معهم لم يشبعوا.
و في نفس الصفحة يقول ابن كثير : "وكان أبو طالب يقرّب إلى الصبيان صفحتهم أول البُكرة، فيجلسون وينتهبون، ويكف رسول الله يده فلا ينتهب معهم. فلما رأى ذلك عمه عزل له طعامه على حدة"3. فإذا كان أطفاله يشبعون ويفضلون في طعامهم إذا أكل معهم، لماذا كانوا ينتهبون، ولماذا فصل له طعامه عنهم؟
زواجه من خديجة
تزوج محمد خديجة وهو في العشرينات من عمره وظل معها ما ظلت خديجة على قيد الحياة. ثم ماتت خديجة قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنين4. وبين موت خديجة وموته هو في السنة الحادية عشر للهجرة، أي في ظرف ثلاث عشرة سنة، تزوج الرسول أربع عشرة امرأة أو أكثر وملك عدداً من الجواري. ويقال انه دخل بثلاث عشرة امرأة من ضمنهن خديجة، وجمع بين إحدى عشر وتوفي عن تسعة5
وقد يسأل سائل : لماذا تزوج محمد، وهو ابن بضع وعشرين عاماً، وكان رجلاً في غاية الوسامة، كما يخبرنا أهل السيرة، لماذا تزوج خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، وقد كانت قبله عند عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وولدت له بنتاً، ثم توفى عنها فتزوجت أبو هالة بن زرارة بن نباش بن زرارة بن حبيب بن سلامة بن عدي فولدت له هند بن أبي هالة، ثم توفى عنها فتزوجها الرسول6.
فلماذا إذا تزوج هذا الشاب ثيباً في الأربعين من عمرها ولديها طفلان؟
قد نجد الجواب في حديث نُسب إلى عائشة. فقد قال الإمام احمد عن ابن إسحاق، اخبرنا مُجالد، عن الشّعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت : كان النبي إذا ذكر خديجة أثنى عليها بأحسن الثناء. قالت : فغرت يوماً فقلت : ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيراً منها. قال : "ما أبدلني خيراً منها، وقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وآستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء7.
فهل يجوز انه تزوجها من اجل مالها؟ وانه عندما كان في عنفوان شبابه، لم يتزوج غيرها، خوفاً من إن تحرمه مالها، ولما ماتت وعمره خمسون عاماً تزوج أربع عشرة امرأة أو يزيد؟
نبوته
موضوع النبوة يثير جدالاً عميقاً في كافة المجتمعات، فهناك من ينكره وهناك من هو على استعداد لأن يموت من اجله. فموضوع النبوة يجري في خط موازي لنظرية داروين في التطور ولذا لا يمكن لهما إن يلتقيا. فنظرية داروين تقول بتطور الحياة من حيوانات بخلية واحدة "الاميبا" إلى الإنسان في شكله الحالي ماراً بمراحل متعددة من النمو والتطور. والأديان السماوية تقول بان الله خلق آدم وحواء ومنهم انتشر الجنس البشري في الأرض، ولذا أرسل الله الرسل لهدايتهم. وقد يسأل سائل : ما الحكمة في ذلك؟ ما دام الله قد خلق الإنسان، وهو القادر على كل شئ، لماذا لم يخلقهم كلهم مؤمنين؟ ويجيبنا علماء الأديان بان الله أراد إن يختبر الإنسان.
ولكن قد نسأل لماذا احتاج الله إن يختبر الإنسان وهو عالم بكل سرائره وما سيفعله في حياته من قبل إن يولد الإنسان؟ إننا نختبر الإنسان لمعرفة قدراته الفكرية أو العملية، ولكن إذا كنا مسبقاً نعرف قدرات هذا الشخص، يكون الاختبار إضاعة للوقت والجهد. وإذا كان الغرض من إرسال الرسل هو هداية البشر، فقد فشلت التجربة مرات عديدة. فلماذا استمر الله في اجراء نفس التجربة؟ فكل الأنبياء الذين يزيد عددهم عن العشرين نبياً وأرسلوا إلى بني إسرائيل، لم ينجحوا إلا في هداية جزء يسير منهم. وتعداد اليهود اليوم في كل أنحاء العالم لا يزيد عن العشرين مليون شخصاً من مجموع سكان العام الذين يزيد عددهم عن ستة مليارات من ألاشخاص. وأظن المنطق يقنعنا إن تجربة إرسال كل هؤلاء الأنبياء إلى بني إسرائيل كانت تجربة فاشلة. وقد قتل بنو إسرائيل بعض هؤلاء الأنبياء كما يخبرنا القرآن، وقد عاقب الله كل الأمم التي بعث فيهم رسولاً بأن خسف بهم الأرض أو أرسل عليهم الزلزال أو الصيحة التي دمرتهم ودمرت مساكنهم لان اغلبهم لم يؤمنوا.
وفي عهد نوح أرسل طوفاناً اغرق الزرع والضرع وكل البشر ماعدا نوحاً وأهله الذين آمنوا به. وبعد إن رأى أهل نوح ما حدث للذين لم يؤمنوا، عادوا بعد أجيال إلى الكفر والعصيان مما اضطر الله إن يرسل لهم عدة أنبياء آخرين، وتكررت نفس عملية خسف الأرض والدمار. وحتى في العهد الحديث نسبياً عندما أرسل الله موسى إلى بني إسرائيل، لماذا أرسل الله موسى وهو يعلم إن بلسانه عقدة ولن يستطيع إن يقنع الناس، ومهمة الرسول الأولى هي تبليغ الرسالة، ولذا يجب إن يكون فصيحاً، فاضطر موسى أن يسأل الله إن يرسل معه أخاه هارون؟ لماذا لم يرسل هارون وحده؟
ومما يثبت فشل تجربة الرسل إن بني إسرائيل عندما قادهم موسى في هجرتهم من مصر ورأوا إن الله قد شق لهم البحر وانجاهم واغرق فرعون وجنده، وانزل لهم المن والسلوى من السماء ليطعمهم، لم يقتنعوا بوجوده أو برسالته فصنعوا لأنفسهم عجلاً من ذهب وعبدوه. فهل هناك معجزات أكثر من هذه لتقنع الناس بوجود الله؟ فإذا لم يقتنع بنو إسرائيل بعد أن رأوا كل هذه المعجزات، إلا يقنع كل هذا الله بأن إرسال الأنبياء لا يجدي فتيلا؟
وهذا هو القرآن نفسه يقول في الآية 30 من سورة "يس" : "يا حسرة علي العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن". فإذا علم الله إن كل العباد يستهزؤن برسلهم، لماذا يستمر في إرسالهم؟ لماذا لا يدمر الأرض ومن عليها، كما فعل من قبل، ويخلق أناسا على دينٍ واحد؟ وإرسال الرسل والأنبياء، وان هدى بعض الناس، فهم دائماً أقلية، كما يخبرنا القرآن نفسه في سورة يوسف، الآية 103 : "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين".
وفي سورة آل عمران، ألآية 55 عندما يخاطب الله عيسى فيقول له : "وجاعل الذين أتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"، فنفهم من هذه ألآية أنه سيكون هناك مسيحيون مؤمنون بعيسى إلى يوم القيامة، فما فائدة إرسال محمد بالإسلام ليظهره على الدين كله، وهو قد قرر أنه سيكون هناك مسيحيون إلى يوم القيامة. والدليل على ذلك أنه بعد ألف وأربعمائة سنة على إرسال محمد بالإسلام ليظهره على الدين كله، ما زالت المسيحية أكبر ديانة سماوية حتى ألان، وعدد أتباعها يفوق عدد المسلمين أضعافاً.
والقرآن يخبرنا في عدة آيات إن الله لو شاء لجعل الناس كلهم أمةً واحدةً يؤمنون برسالة واحدة ويكونون على دين واحد "ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة"8. وكذلك يخبرنا القرآن إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء : "من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم"9.
ويخبرنا الله كذلك في سورة الإسراء انه إذا أراد إن يهلك قريةً، أمر مترفيها ففسقوا فيها، فحق عليها القول، فيدمرها تدميراً. فكل هذه الآيات تؤكد إن الإنسان مسيّر، ليس بيده أي شئ، الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويدمر القرى التي يختار تدميرها. فإذا ما الحكمة في إرسال الأنبياء لهداية البشر، والبشر لا يملكون الحق في تقرير مصيرهم؟
وفي بعض الأحيان نشعر إن الله لا يريد للناس إن يتبعوا الرسل، ففي سورة مريم الآية 83، نجد الله يقول : "ألم تر إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم ازاً" أي تهيّجهم إلى المعاصي حسب تفسير الجلالين. فما الحكمة في إرسال أنبياء لهداية الناس، وفي نفس الوقت يرسل الله الشياطين لتهيّجهم على المعاصي؟
وهناك مفكرون عبر التاريخ قد انكروا فكرة إرسال الأنبياء، منهم الطبيب الفارسي المشهور محمد بن زكريا الرازي (250-313 هجرية) والمفكر والشاعر العربي الشهير أبو العلاء المعري10 (369-450 هجرية)، الذي قال :
تحطمنا الأيام كالزجاج ولكن لا يُعاد لنا سبك
وإذا أخذنا في الاعتبار الأعداد الهائلة من البشر الذين قُتلوا في الحروب الصليبية بين المسيحيين والمسلمين، والذين قُتلوا في محاكم التفتيش الاسبانية " Spanish inquisition"، وكذلك الذين قُتلوا أيام انتشار الدولة الإسلامية، والآلاف الذين مازالوا يموتون في الحروب بين الأديان في عدة أقطار من العالم، يتضح لنا إن الأديان جلبت للجنس البشري ضرراُ يفوق المصلحة التي نتجت عنها. وهناك مفكرون عظماء عبر التاريخ البشري قدموا للعالم أفكارا نيرة أفادت البشرية، ولم يكونوا أنبياء، مثل كونفوسيوس "Confucius" وبوذا "Buddha" و حمو رابي وأرسطو وغيرهم.
ومع إن محمداً كان من بني هاشم، لم يعتبره سادات قريش ذا مكانة عظيمة لأنه كان يتيماً وفقيرا، وكان في مفهومهم إن الله إذا أراد إن يرسل رسولاً، لا بد له إن يختار رسولاً ذا مكانة في مجتمعه. ولهذا لما أعلن نبوته، قال الوليد بن المغيرة، زعيم بني مخزوم بمكة : عندما يكون في قريش رجل مثلي وفي بني تميم رجل مثل عروة بن مسعود، كيف يدّعي محمد انه نبي؟ فانزل الله قوله : "وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم، أهم يُقسّمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون"11.
ظل النبي بمكة ثلاث عشرة عاماً يحاول إقناعهم بدينه دون جدوى. وكان يعرض نفسه على قبائل العرب في موسم الحج من كل عام، دون إن يؤمن به احد. وزار بني ثقيف بالطائف يدعوهم إلى الإسلام فلم يتبعوه. وأخيرا استمع إليه نفر من الاوس والخزرج فآمنوا به وعقد معهم معاهدة لنصرته "بيعة العقبة"، ودعوه إلى الهجرة لهم في المدينة، فهاجر إليها سنة ثلاث عشرة من بعثته، أي حوالي عام 623 للميلاد.
غزواته
عندما استقر النبي بالمدينة وسط الأنصار والمهاجرين، ابرم اتفاقاً مع يهود المدينة أمنّهم فيه على أنفسهم ومالهم على إلا يحاربوه، وضمن بذلك إن قاعدته بالمدينة سالمة لا خوف عليها، وابتدأ يخطط لغزواته ليدخل الناس في الإسلام أو يدفعوا له الجزية لتساعده على تحمل نفقات إقامة دولة للمسلمين. والدولة، طبعاً، لا بد لها من جيش يدافع عنها ويزيد من مساحتها وسطوتها. ويحتاج تجهيز الجيش إلى أموال لشراء الأسلحة والخيول وإطعام الجنود وما إلى ذلك. ولكن من أين لمحمد بكل هذا المال.
الحل الذي لجأ إليه النبي كان السطو على قوافل قريش التي كانت دائماً محملةً يأثمن البضائع من الشام وكذلك غزو القبائل المجاورة. وحسب ما قال محمد بن عمر : إن مغازي رسول الله معروفة مجتمع عليها ليس فيها اختلاف بين احد في عددها وهي سبع وعشرون غزوة. واخْتُلف في عدد سراياه، حدثنا محمد بن حُميد قال : حدثنا سلمة قال : حدثنا محمد بن إسحاق قال : كانت سرايا رسول الله وبعوثه … فيما بين إن أقدم المدينة وبين إن قبضه الله خمساً وثلاثين بعثاً وسرية12.
ففي شهر رمضان على رأس سبعة اشهر من هجرته إلى المدينة، عقد النبي لحمزة بن عبد المطلب لواءً ابيضاً في ثلاثين رجل من المهاجرين، وأمره إن يعترض لعيرات قريش، كما زعم الواقدي13. ولكن حمزة لما حاول اعتراض القافلة وجد أبا جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني فافترقوا ولم يكن بينهم قتال.
وفي شهر ربيع الأول من السنة الثانية للهجرة خرج الرسول في غزوة مع مائتي راكب، وكان مقصده إن يعترض لعير قريش، وكان فيها أمية بن خلف ومائة رجل وألفان وخمسمائة بعير. وسار النبي حتى بلغ بُواط من ناحية رضوى لكنه لم يجد عير قريش، فرجع للمدينة وسميت هذه الغزوة "غزوة بواط"14.
ومرة أخرى خرج في غزوة العُشيرة يريد الاعتراض لعيرات قريش وسار حتى وصل العُشيرة ببطن ينبع، ولم يعثر على عير قريش، فرجع. وفي رجب من نفس العام أرسل عبد الله بن جحش مع ثمانية من المهاجرين، وكتب له كتاباً وأمره إلا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه. فلما فتح الكتاب وجد فيه : "إذا نظرت في كتابي فامض حتى تنزل نخلةً بين مكة والطائف فترّصد بها قريشاً وتعلم لنا من اخبارهم". وساروا حتى نزلوا نخلة، فمرت عيرُ لقريش فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان بن عبد الله بن المغيرة واخوه نوفل والحكم بن كيسان. وتشاور الصحابة فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب فقالوا : والله لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعُن به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فاجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم واخذ ما معهم، فحلقوا رأس احدهم ليطمئن القرشيون أصحاب العير أنهم من عُمار بيت الله الحرام.
وعندما أطمئن القرشيون ووضعوا سلاحهم رمي واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله واستا سر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وافلت منهم نوفل بن عبد الله15. واقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله. فقال عبد الله بن جحش لأصحابه : إن لرسول الله فيما غنمنا الخمس، فعزله وقسم الباقي بين أصحابه، وذلك قبل إن تنزل آية الخمس.
ولما قالت قريش قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم واخذوا فيه الأموال واسروا الرجال، أنزعج الرسول من هذا الكلام وقال لأصحابه : "ما أمرتكم بقتالٍ في الشهر الحرام".16 ورفض إن يأخذ نصيبه من الغنيمة، وهو الأسيرين وبعض العير. وحينئذ سقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا.17
ولكن سرعان ما نزلت الآية : "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل : قتال فيه كبيرٌ، وصدٌ عن سبيل الله وكفرٌ به، والمسجد الحرام وإخراج أهله منه اكبر عند الله، والفتنة اكبر من القتل، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"18. فلما نزل القرآن بهذا الأمر وفرّج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، أخذ رسول الله –ص- العير والأسيرين.19 وهذا كان يمثل خمس الغنيمة، وكانت هذه أول غنيمة للمسلمين، وفادى الأسيرين بأربعين أوقية لكل منهما وهذا أول فداء لأول أسير في الإسلام.20
وهذه ألآية طبعاً عذر لا تسنده الوقائع، فقريش لم تكن تحاربهم في ذلك الوقت، بل بالعكس، حاول المسلمون اعتراض قوافل قريش ثلاث مرات قبل هذا. وحتى في هذه المرة لم تكن قريش قد اعتدت عليهم وإنما هم الذين اعتدوا، وفي الشهر الحرام.
غزوة بدر الكبرى
سمع الرسول بأبي سفيان صخر بن حرب مقبلاً من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال وتجارة، وفيها ثلاثون رجلاً، أو أربعون، وكان في العير ألف بعير تحمل أموال قريش بأسرها، فقال الرسول لأصحابه : "هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله يُنفلكموها". فسمع أبو سفيان إن المسلمين يتربصون بهم، فأرسل ضمضم بن عمرو إلى مكة يطلب النجدة منهم. فخرجت قريش في تسعمائة وخمسين مقاتلاً وخرج النبي مع
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ